بريق شمس

معظم الناس ينظرون إلى الأشياء التي تحدث ويقولون لماذا ؟ أما أنا فأنظر إلى الأشياء التي لم تحدث بعد وأقول لما لا

خواطر من قلب خليل الرحمن...

كانت الساعة الثانية صباحاً، وكتاب (الخليل مدينة عربية فسطينية) لا زال مفتوحاً بين يديّ يأبي أن يغلق .. وعيني تسارعان لالتهام ما تبقى من سطور.. وقلبي يخفق شوقاً لمدينة خليل الرحمن والتي سيعانقها في الصباح الباكر مع ثلة من الصديقات الرائعات ..


الخليل باختصار حكاية ألم وأمل .. وقد ارتأيت أن أكتب لكم بعض الخواطر من أرض الخليل لأصحبكم معي في ساعات نقشت في  القلب والذاكرة ..




من حافلات بيت جالا كانت الإنطلاقة .. مروراً ببيت لحم.. وصولاً إلى أربع أو حبرون أو حبرى أو مسجد إبراهيم أو المطلون أو المرطوم أو خليل الرحمن أو خليل الله أو بلد الخليل أو الخليل .. تلك المدينة التي دفن تحت ثراها ثلة من الأنبياء والصالحين، والتي تحكي قصة نضال فلسطينية .. كانت هي السباقة إلى تتويج إسمها بين سطورها !


كانت البداية مع جامعة (البولتكنك) ومناقشة كتاب زلزال العقول مع باقة من المميزات ..
 ذلك الكتاب الغني بالأفكار، والتي أبدع وائل عادل بطرحها، هو كنز لكل قارئ، فهو بمثابة عاصفة فكرية باستطاعتها أن توسع المدارك وتغيير الكثير من الأفكار!



بعد ذلك النقاش توجهنا إلى (مطعم القدس) لتناول طعام الغداء .. وبمناسبة تلك الوجبة الدسمة سأخبركم عن حكاية (السماط الخليلي) فهل سمعتم بها من قبل :) ؟


تعني كلمة (سماط) : ما يبسط ليوضع عليه الطعام، وسماط القوم: صفهم، والخليليّ: نسبة إلى إبراهيم الخليل عليه السلام.


والسماط الخليلي: مائدة لإكرام ضيوف خليل الرحمن، وقد استعمل (السماط الخليلي) للتعبير عن الطعام الذي يُقدم في مدينة الخليل، إحياء لسنة إبراهيم عليه السلام في إطعام الضيوف .. وكأنه أوسع من المائدة لأن الناس يصطفون على جانبي السماط المبسوط لتناول الطعام، ويكون طويلاً .. وكانت كُنية إبراهيم-عليه السلام- (أبا الضيفان) لكثرة ضيوفه، فقد كان كريماً مضيافاً لا ينزل به أحد إلا أحسن ضيافته وأكرم نزله.



وقد أثبت (مطعم القدس) فعلاً صفة الكرم الرائعة، إذ يبدأ المطعم بإكرام ضيوفه بوجبة من الحساء الساخن والتي يقدمها للجميع بالمجان، ثم يقدم الوجبة الرئيسية حسب الطلب، وبعد ذلك يختمها ببعض قطع (الهريسة) والقهوة والتي تقدم أيضاً بالمجان : ) ..





بعد تلك الوجبة اللذيذة ، توجهنا إلى مصنع الزجاج والخزف وهناك قابلت رجلاً حيرني !



كان ذلك الرجل يجلس بالقرب من الفرن ليصنع قطع فاخرة وشديدة الجمال من الزجاج ..

وبعد فترة من تأمل طريقة صنع تلك التحف الجميلة دار بيننا الحوار التالي:

- قلت له : لم أقف هنا إلا لخمسة دقائق و مع ذلك أشعر بأن عيني ستنفجران من شدة الحرارة، فكيف تتحمل أنت ذلك ؟

- ابتسم ، ثم قال : أتوقع بأنني سأدخل الجنة مباشرة .. فقد عشت مع النار طويلاً هنا .. لا أتوقع بأنني سأدخلها يوم القيامة أيضا 

.. ضحك الجميع ..

- ثم سألته : كم سنة  وأنت تعمل في هذه المهنة ؟

-  ثلاثون عاماً !!

- يا الله .. ثلاثون عاماً في هذا العمل المضني .. لماذا ؟

- لأكثر من 700 عاماً وعائلتي تعمل في هذه المهنة .. أعشق هذه المهنة .. هذه المهنة تمثلني .. هذه المهنة هي (فلسطين ) كيف أتركها  بعد كل هذا ؟

- فكرت قليلاً ثم سألته : هل ستجبر إبنك على العمل في هذه المهنة ؟

- قال : بالتأكيد لا، ولكن من كل قلبي أتمنى أن يكمل دراساته الجامعية .. ثم يأتي ليعمل هنا ... هنا وفقط !

- : ) ..













عندما نساعد إسرائيل على احتلال أراضينا ... ((كلمة عتب !!))

كل ذلك الجمال .. والتراث والحرفية التي رأيتها لم تشفع لتثبط قلمي عن كتابة الأسطر القادمة ..
كل من سار في سوق خان الزيت في القدس أو سار في الأسواق التي يبتاع منها السياح تذكرات يعودون بها إلى أراضيهم .. سيجد مثل هذه التحف وغيرها مكتوب عليها باللغة العبرية!


لدرجة أنني كنت أدخل محلات في القدس لا أجد فيها أي شيء يدل على فلسطين .. بل كل ما يباع هناك له علاقة بما يسمى اسرائيل !!


سواء بما يعبر عن دينهم أو ثقافتهم - إن كان لديهم ثقافة- أو أفكارهم !!


وفي الخليل ..
وجدتها فرصة لأتحدث مع أحد التجار الكبار المسؤولين عن إنتاج هكذا بضائع وناقشته طويلاً في عواقب مثل هذه الأمور !
خاصة أن النحت المستخدم هو ثقافة فلسطينية عريقة من تراث الأجداد (فما هذا التناقض) !


قلت له : باختصار ما تفعله هو ترسيخ لسياسة وهوية الاحتلال على أراضينا !!
فعندما يعود السائح إلى بلاده وأهله محملاً بهذه البضائع .. خمن معي ما هو الإنطباع الذي سيتركه عندهم ؟


هذه الصورة شيء بسيط جداً عن الأشياء الأخرى التي تباع من قمصان وزخارف و و و.. والتي عندما تراها قد تشعر بأنك ستصاب بالجنون !!


وللأسف ما اكتشفته أن السبب (مادي .. ومادي بحت ) !!


قلت في عقلي .. عندما تغيب القضية عن  عقولنا وقلوبنا ..
توقع أي شيء !






للسجود هناك طعم مختلف !!


شعور عجيب انتابني عندما وصلت إلى المسجد الإبراهيمي في خليل الرحمن .. فليس من السهل أن تدخل إلى مسجد يحوي بين ضلوعه مقامين لاثنين من أنبياء الله ( إبراهيم واسحق عليهما السلام) ومقام للسيدة (سارة) رضي الله عنها !


تشعر بهيبة المكان .. تفوح من كل الزوايا ..
تسمع تراتيل الآيات تصدح من كل مكان ..
من قلبك قبل أي شيء!


"وإذا قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن ؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي" ..
"ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل" ..
"ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً ..".


تدمع عيناك وكأنك تجدد العهد مع والدك (إبراهيم )الذي سماك مسلماً من قبل .. وعلمك كيف تفكر وتسأل وتسأل وتسأل ..
حتى في البديهيات علمك أن تسأل !!..
حتى في المسلمات علمك أن تسأل !! ..


ترفع رأسك من السجود فتستشعر الأنفاس الأخيرة لأحمد أبو سنينة وأسامة غزال وجميل النتشة وطارق عاشور وعبد الرحيم العجلوني ومحمد غيث و29 اسماً آخر .. قبل أن يسقطوا شهداء على تلك الأرض المباركة في واقعة "فجر الشهداء" أو ما يسميه آخرون " مجزرة الحرم الإبراهيمي" في 25-شباط- 1994 .. بعد أن أغرقهم اليهودي المتطرف (باروخ غولدشتاين) برصاص سلاحه وهم سجود لله وحده عزل من أي سلاح !!


تعود لمسح دموعك من جديد .. فتلمح بعينك منبر عسقلان البديع والذي نقله صلاح الدين الأيوبي إلى المسجد سنة 583 هجرية ليحييه بعد أن كان بين يديّ الصليبيين لسنوات عديدة ... فتبتسم ويشرق قلبك !




ثم تعود لتجدد البيعة .. ولكن هذه المرة مع الله ..

مع الله الواحد القهار ..
ليعترف قلبك بأن صلاتك هذه المرة كانت مختلفة ..
فما توضأت به كان دماء الشهداء .. وما سجدت عليه كان أرضاً ضمت أباك .. وما تحتضنه بجسدك روح لا تقول إلا
" لا إله إلا الله .. محمد رسول الله" ..




كيف لأهل الخليل أن يتركوا أراضيهم بعد هذه الكلمات ؟




عندما تعرف بأن ابراهيم -عليه السلام- والذي اقترن اسمه باسم محمد -عليه السلام- في الصلوات المفروضة كل يوم خمس مرات-والذي سار من أرض الخليل إلى مكة (وفي هذا ربط عجيب) ليرفع القواعد من البيت ثم يعود إلى الخليل فيدفن فيها .. كيف ستترك أرضك ؟


عندما تعرف بأن اسماعيل -عليه السلام- ولد في أرضك .. في خليل الرحمن .. كيف ستتركها؟


عندما تعرف بأن مقام كل من سيدنا اسحق-عليه السلام- ومقام السيدة سارة والسيدة رفقة (زوج اسحق عليه السلام) موجودين في أرضك .. في خليل الرحمن.. كيف ستتركها ؟


عندما تعرف بأن أول من أعدمتهم سلطات الانتداب البريطاني عقب ثورة البراق ( محمد جمجوم و عطا الزير) كانوا من أرضك .. من خليل الرحمن .. فكيف ستتركها ؟


كيف ستترك أرضاً قال فيها الرسول -عليه السلام- ((ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجَرَ إبراهيم)) ؟


أقول كلماتي هذه ... بسبب ما يتعرض له أهالي الخليل من مدايقات عديدة ليرحلوا من أراضيهم تاركين حضارة الأجداد ...
فهل سيتركوا بعد هذه الكلمات تراب أوطانهم ويتنازلوا ؟








شكراً لكل من صديقتي ريم وصديقتي شذى الإيمان على مرافقتي في هذه الزيارة الرائعة ..


تكتبها لكم
آلاء سامي 
الخميس 5 إبريل 2012 - 13 جمادى أولى 1433 

4 التعليقات:

معمر عيساني 5 أبريل 2012 في 1:44 م  

تحياتي إليك الأخت آلاء سامي..
وأتمنى أن تكوني بألف خير..
جميل منك القيام بهذه الجولة الندية لأرض الخليل.. وصبر ما بها من ألم وأمل.. وتفاصيل يومياتها الحبلى بشغف الحرية والانتهاء من عهد ظلام اليهود..
شكرا على مشاركتك..
وأدعوك للتواصل، ومناقشة مزيد من القضايا إن أمكن عبر مدونتي كذلك..
والأهم أننا وجدنا نفسا جميلا آخر للتدوين الفلسطيني..
تحياتي..

ashar omar 5 أبريل 2012 في 2:31 م  

لطالما حدثتني جدتي "رحمها الله" عن الخليل .. ولطالما حدثني والدي عن سنيه التي عاشها فيها ..
لكن
لم أعرف الخليل بحق إلا منك الآن !
رائع وصفك .. دقيق حرفك ..
بوركت
مودتي ..

بندر 8 أبريل 2012 في 7:58 م  

رائع جداً.

جولة مفيدة لنا نحن الذين لا نعرف هذه المدينة العريقة ..

لك تحياتي..

غير معرف 11 يونيو 2012 في 9:04 ص  

أتمنى زيارة كل مدني الفلسطينية.... تحياتي لك أسلوبك أكثر من رائع

إبحث في بريق شمس



Leave the world a little better than you found , take no more than you need , try not to harm life or environment...

مدونة بريق شمس. يتم التشغيل بواسطة Blogger.
  • التاريخ خارطة البشرية التي تثرثر كثيراً عن أولئك الذين صنعوه ... ولا يمكن أن نتجاهل أبداً تلك الوجوه التي نحتت على الصخر صورها بينما كان البقية يتأملون وجوههم على صفحة الماء ! .. علا باوزير


    التدوين : هو أن تنظر إلى حدث عادي بنظرة غير عادية فتصنع منه حدثاً غير عادياً

    قال تعالى : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "
  • مدونة لكل شباب النهضة ... لكل الشباب الذين قرروا أن يكونوا متميزين بدينهم وعلمهم وإبداعاتهم
    كل التحية والاحترام لكم
    آلاء سامي

حياتي كلها مهر لأمتي

حياتي كلها مهر لأمتي

إهداء من الصديقة نادية درويش

إهداء من الصديقة نادية درويش
:) من على متن الكتاب .. ومن أمام الشمس

يقظة فكر - معانقة الفكر مع الفن -

" هدية من فريقي المميز "عائلة إبداع

" هدية من فريقي المميز "عائلة إبداع
نرى ما لا يراه الآخرون

إعلام ينبض شباباً

إعلام ينبض شباباً
شارك لننقل الإعلام نقلة جديدة تمثلنا

أكاديمية إعداد القادة ... خطوة للأمام

" أبي الروحي " د.مصطفى محمود

" أبي الروحي " د.مصطفى محمود
كلمات هذا الرجل تدهشني

! قلمي يكتب هنا أيضاً

! قلمي يكتب هنا أيضاً
.أول مجلة تكنولوجية تصدر بالعربية في فلسطين

Facebook مدونتي على موقع ال


المتابعون

... إقرأ أيضاً

..بقلم

صورتي
اللهم إجعلني من مُجددات الأمة ... اللهم واجعل كلماتي تصل إلى الآفاق ~

عدد المشاهدات

أرشيف المدونة